كتب المحامي كميل حبيب معلوف شلل العدالة في لبنان: المحامون بين حق الإضراب وواجب الدولة.

شلل العدالة في لبنان: المحامون بين حق الإضراب وواجب الدولة.
إنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في لبنان لم يعد محصوراً في مشروعية الإضرابات، بل في المسؤول الحقيقي عن شلل الإدارة والعدالة معاً. فمنذ أن بدأ الإضراب من المساعدين القضائيين، تعطّلت المحاكم وتوقفت الجلسات، وأصبح آلاف المحامين بلا عمل فعلي، محرومين من ممارسة رسالتهم في الدفاع عن الحقوق، ومقيّدين بواقع إداري مشلول لا يعكس سوى عجز الدولة عن القيام بواجباتها.
من منظور قانوني، فإنّ قرينة البراءة وحق التقاضي هما من المبادئ الدستورية الأساسية، وقد نصّت المادة 20 من الدستور اللبناني على أنّ السلطة القضائية تتولاها المحاكم باسم الشعب اللبناني، وأنّ حق التقاضي مصون ومكفول. غير أنّ هذا الحق يصبح حبراً على ورق حين تُقفل أبواب العدالة بفعل إضراب موظفيها، وهو ما يضع الدولة أمام مسؤولية مباشرة: فالموظف يملك حق الاعتراض والإضراب استناداً إلى المواثيق الدولية التي انضم إليها لبنان، لكن الدولة ملزمة في المقابل بضمان استمرارية المرفق العام، وتأمين حقوق الموظفين بما يحفظ كرامتهم ويمنع تعطيل مصالح المواطنين والمحامين.
إنّ تحميل المساعدين القضائيين وحدهم مسؤولية الشلل هو قلب للحقائق؛ فالمسؤولية تقع على السلطة التنفيذية التي تجاهلت حقوقهم، وأخلّت بمبدأ المساواة والعدالة الوظيفية المنصوص عليه في المادة 7 من الدستور وقانون الموظفين رقم 112/1959. فحين تُترك الرواتب بلا تصحيح، وتُهمل المطالب المحقة، يصبح الإضراب وسيلة مشروعة وضرورية، لكن نتائجه الكارثية تطال المحامين أولاً، الذين وجدوا أنفسهم بلا عمل، وبلا قدرة على ممارسة دورهم الدستوري في حماية الحقوق والدفاع عن المظلومين.
القضية اليوم ليست نزاعاً وظيفياً فحسب، بل أزمة وطنية كبرى: هل العدالة في لبنان تُدار وفق القانون والجدارة، أم أنّها تبقى رهينة للتوازنات السياسية والقرارات العاجزة؟ إنّ إنصاف المساعدين القضائيين لا ينفصل عن إنصاف المحامين، لأنّ تعطيل العدالة هو تعطيل لرسالة المحاماة، ولحق المواطن في الوصول إلى قاضٍ عادل. المسؤولية هنا واضحة: الدولة هي التي قصّرت، وهي التي يجب أن تتحمّل وزر الشلل، وأن تبادر فوراً إلى إصلاح جذري يضمن استمرارية المرفق القضائي ويحمي المحامين من أن يصبحوا ضحايا إضرابات لا ذنب لهم فيها.
المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في 20 كانون الثاني 2026

