كتب المحامي كميل حبيب معلوف الوديعة لا تُمس: المصارف مسؤولة حصريًا عن ردّ أموال المودعين من أصولها وأموال مساهميها، ولا شرعية لأي تعميم يحميها من المساءلة

27/12/2025
1765433942406

الوديعة لا تُمس: المصارف مسؤولة حصريًا عن ردّ أموال المودعين من أصولها وأموال مساهميها، ولا شرعية لأي تعميم يحميها من المساءلة.

في ضوء الانهيار المالي الذي أصاب لبنان منذ العام 2019، وتحت وطأة التواطؤ الممنهج بين المصارف ومصرف لبنان والسلطة السياسية، بات لزامًا على كل حقوقي واقتصادي أن يصدح بالحقيقة القانونية الساطعة: إن المصارف، بصفتها مؤتمنة على أموال المودعين، تتحمل المسؤولية الكاملة والحصرية عن ردّ هذه الودائع من أصولها وأموال مساهميها، دون أي تحميل للمودع أي خسارة أو اقتطاع. فالمادة 307 من قانون التجارة البرية اللبناني تنص صراحة على أن “المصرف مسؤول تجاه المودع عن ردّ الوديعة عند الطلب”، دون قيد أو شرط، ودون أن يُشترط توفر السيولة أو انتظار خطط إعادة هيكلة أو توزيع خسائر. كما أن المادة 123 من قانون النقد والتسليف تُحمّل المصرف مسؤولية الحفاظ على أموال الغير المودعة لديه، وتمنع استخدام هذه الأموال في عمليات استثمارية محفوفة بالمخاطر دون موافقة صريحة من المودع. أما المادة 221 من قانون الموجبات والعقود، فتؤكد أن “العقد شريعة المتعاقدين”، وبالتالي فإن عقد فتح الحساب ووديعة الأموال يُلزم المصرف بردّ المبلغ كاملاً عند الطلب، وأي امتناع عن الدفع يُشكّل خرقًا فاضحًا للعقد، ويُرتب مسؤولية مدنية كاملة. بل أكثر من ذلك، فإن المادة 670 من قانون العقوبات تُجرّم “سوء الأمانة” في حال استبقاء الأموال دون وجه حق. وبما أن المصارف قد استخدمت أموال المودعين في تمويل الدولة ومصرف لبنان، فهي وحدها من تتحمل نتائج هذا التوظيف، ولا يجوز تحميل المودع تبعات قرارات لم يكن طرفًا فيها. أما مساهمو المصارف، فهم قانونًا الضامنون الأخيرون، ويجب تحميلهم الخسائر قبل المساس بأي حق للمودع، تطبيقًا لمبدأ “تحمّل الخطر مقابل الربح”.

وإذا كانت المصارف قد امتنعت عن ردّ الودائع، فإنها لم تفعل ذلك من فراغ، بل استندت إلى تعاميم صادرة عن مصرف لبنان، وإلى صمت تشريعي مريب، وإلى شبكة مصالح متشابكة تشمل شركات تأمين، وشركات عقارية، واستثمارات خارجية، كلها مملوكة مباشرة أو عبر واجهات قانونية للمصارف ومجالس إدارتها. وهنا، لا بد من التأكيد أن كل تعميم أو قرار إداري يصدر خلافًا للقانون أو يتجاوز نصًا تشريعيًا نافذًا، هو باطل بطلانًا مطلقًا، وفقًا للمادة 60 من قانون أصول المحاكمات الإدارية، التي تُجيز الطعن بأي قرار إداري مخالف للقانون أو يتجاوز حدّ السلطة. كما أن المادة 13 من الدستور اللبناني تكرّس حق التقاضي كحق مقدّس، لا يجوز تقييده بتعاميم أو إجراءات استثنائية. أما المادة 2 من قانون أصول المحاكمات المدنية، فتُلزم القاضي بتطبيق القانون ولو لم يطلبه الخصم، ما يعني أن القضاء ملزم بالتحرك تلقائيًا عند توافر عناصر الجريمة، لا سيما أن ما ارتكبته المصارف يُشكّل جريمة وجاهية مستمرة، قائمة الأركان، من إساءة أمانة (المادة 670 عقوبات)، إلى الاحتيال (المادة 641)، إلى الإثراء غير المشروع (قانون 154/1999). كما أن المادة 18 من قانون العقوبات الاقتصادية (المرسوم الاشتراعي 73/83) تُجيز ملاحقة كل من يسيء استعمال أموال الغير في المؤسسات المالية، وتُجيز الحجز على أموالهم ومصادرتها. وبما أن المصارف تملك أصولًا عقارية وتجارية وشركات تأمين واستثمارات خارجية، فإن هذه الأصول تُشكّل الضمانة القانونية الأولى لردّ الودائع، ولا يجوز حصر المسؤولية في “السيولة” أو “الاحتياطي الإلزامي”، لأن الذمة المالية للمصرف تشمل كل موجوداته، وفقًا للمادة 249 من قانون التجارة البرية. وعليه، فإن أي محاولة لحماية هذه الأصول من التنفيذ القضائي تُعدّ تواطؤًا قانونيًا، ويجب أن يُقابل بتحرك قضائي عاجل، يشمل الحجز الاحتياطي على أصول المصارف وشركاتها التابعة، وملاحقة مجالس إدارتها جزائيًا ومدنيًا، وتحريك النيابات العامة المالية تلقائيًا، استنادًا إلى مبدأ “التحرك العفوي” في الجرائم الاقتصادية ذات الطابع العام. إن السكوت القضائي عن هذه الجريمة هو مشاركة ضمنية فيها، وإن أي قاضٍ يمتنع عن تطبيق القانون بحجة غياب النص، يُخالف المادة 759 من قانون أصول المحاكمات المدنية التي تُلزمه بالحكم وفق المبادئ العامة للعدالة عند غياب النص. فهل من عدالة أسمى من ردّ الحق إلى أصحابه؟ وهل من واجب أقدس من حماية أموال الناس من النهب المنظّم؟ إن ساعة الحساب قد دقّت، ولا عذر بعد اليوم لمن يتقاعس عن نصرة المودعين، لأن الحق لا يُستجدى، بل يُنتزع بالقانون.

المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في ٢٠٢٥/١٢/٢٧


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME