المحامي كميل حبيب معلوف منذ تأسيس نقابة المحامين في بيروت عام 1919، لم تكن المحاماة مجرّد مهنةٍ تُمارَس، بل كانت رسالةً ساميةً تُؤدَّى. كان المحامي يُنظر إليه كضمير العدالة، لا كصاحب مكتبٍ تجاري. وديع الدوماني، أول نقيب، لم يكتفِ بالمرافعة أمام المحاكم،

المحاماة في لبنان: من قداسة الرسالة إلى ابتذال السوق
منذ تأسيس نقابة المحامين في بيروت عام 1919، لم تكن المحاماة مجرّد مهنةٍ تُمارَس، بل كانت رسالةً ساميةً تُؤدَّى. كان المحامي يُنظر إليه كضمير العدالة، لا كصاحب مكتبٍ تجاري. وديع الدوماني، أول نقيب، لم يكتفِ بالمرافعة أمام المحاكم، بل كتب في الصحف، وأسّس لثقافةٍ قانونيةٍ وطنية، وجعل من قاعة المحكمة منبرًا للحق، لا ساحةً للبيع والشراء. في تلك الحقبة، كان المحامي يُقاس بقدرته على الدفاع عن المبدأ، حتى لو خسر الدعوى، وكان امتدادًا للنهضة الفكرية، من روّاد الصحافة والبرلمان والنضال الوطني.
لكنّ المشهد اليوم تغيّر جذريًا. تراجعت الهيبة، وتكاثرت المكاتب، وتحولت بعض الدعاوى إلى صفقاتٍ تُدار بمنطق السوق لا بمنطق الحق. لم يعد المحامي، في كثير من الحالات، حاملًا لهمّ العدالة، بل باحثًا عن الزبون. تشير دراسة أعدّها مركز الدراسات القانونية في الجامعة اللبنانية إلى أنّ أكثر من 60% من المحامين الجدد يتوقفون عن ممارسة المهنة بعد خمس سنوات من الانتساب، إمّا بسبب الضائقة الاقتصادية، أو لانعدام فرص التدرّج الجاد، أو لانهيار الثقة العامة بالقضاء، ما انعكس على صورة المحامي نفسه¹.
ومن الأمثلة الصارخة، أنّ أحد المحامين المخضرمين، الذي رافع في قضايا وطنية كبرى في السبعينيات، اضطر مؤخرًا إلى إغلاق مكتبه لعجزه عن دفع الإيجار، بعدما تراجع الطلب على خدماته لصالح مكاتبٍ تجارية ضخمة تعتمد على التسويق لا على الكفاءة. وفي المقابل، نجد محامين شبابًا يروّجون لأنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا عبر اجتهاداتهم أو مقالاتهم القانونية، وكأنّ المهنة باتت تُقاس بعدد المتابعين لا بعدد المبادئ.
ومع ذلك، لا تزال جذوة الرسالة مشتعلة في قلوب البعض. لا تزال هناك أقلامٌ قانونية تكتب، ومحامون يرفضون التنازل عن شرف الكلمة، ويقفون في المحاكم لا ليكسبوا فقط، بل ليُسمِعوا صوتًا غائبًا. إنّ المحاماة في لبنان اليوم تقف على مفترق طرق: إمّا أن تعود إلى أصلها كفنٍّ للدفاع عن الإنسان، وإمّا أن تغرق في مستنقع السوق، فتفقد الوطن مرآته، ويُرى المواطن في القانون ظلَّه لا وجهه.
إنّني لا أكتب هذه الكلمات لأرثي مهنةً أحببتها، بل لأدقّ جرس الإنذار. فالمحاماة ليست مهنةً فردية، بل هي مرآةٌ لعدالة الوطن. وإذا انكسرت هذه المرآة، فلن يرى المواطن وجهه في القانون، بل ظلّه في الظلم. إنّها مسؤولية جماعية، تقع على عاتق النقابة، والقضاء، والمجتمع، لإعادة الاعتبار إلى المحامي كضميرٍ للعدالة، لا كموظّفٍ في سوقٍ بلا قيم.
المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في 17/12/2025

