كتب بطرس الخوري الانتخابات النيابية حلّ أم تعميق للأزمة يشكّل الاستحقاق النيابي في لبنان الركيزة الاساسية للنظام البرلماني القائم على مبدأ تداول السلطة ومحاسبة الشعب ممثليهم على خياراتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية..

الانتخابات النيابية حلّ أم تعميق للأزمة
يشكّل الاستحقاق النيابي في لبنان الركيزة الاساسية للنظام البرلماني القائم على مبدأ تداول السلطة ومحاسبة الشعب ممثليهم على خياراتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية… وينصّ الدستور اللبناني على انتخاب مجلس النواب لمدة اربع سنوات، ولا يتضمن نصاً صريحاً يجيز التمديد للمجلس او تأجيل الانتخابات، الاّ في حالات استثنائية تبرر بالضرورة القصوى، غير أن الممارسة السياسية اظهرت مرونة في تفسير هذا المبدأ، خصوصاً في ظل الازمات المتكررة التي عرفها لبنان.
تمرّس اللبنانيون في العمل الانتخابي، فمنذ أواسط القرن التاسع عشر،عرفوا الانتخابات واقترعوا لاختيار ممثليهم في مجلس الادارة خلال عهد المتصرفية، وخلال العهود التي تلت الاستقلال، واظبوا على اداء هذا الواجب في وقته، احتراماً للدستور، وتاكيداً على ديمقراطيتهم، في شرق لم يعرف الديمقراطية، ولم يكتب دساتير او التزم بها.
بسبب الحرب التي اندلعت في العام 1975، تم التمديد للمجلس النيابي للمرة الاولى قبل انتهاء ولايته في العام 1976، وانسحب هذا التمديد لسنوات حتى العام 1992، حين جرت أول انتخابات بعد انتهاء الحرب وتوقيع اتفاق الطائف.
خلال سنوات الامساك السوري بمفاصل البلد، جرت الانتخابات بمواعيدها، في 92 و96 و2000، ولكنّها لم تكن الاّ شكلية، مُتحكم بنتائجها سلفاً، ما خلا بعض الحالات النادرة، انتخابات في خدمة سلطة ممسوكة من نظام امني مشترك بين بيروت ودمشق، غايتها الابقاء على المظهر الديمقراطي بالشكل، واضفاء شرعية قانونية على الهيمنة السورية بالمضمون.
بعد الخروج السوري وثورة 14 اذار، أصرّت المعارضة انذاك، على اجراء الانتخابات في موعدها، وكان التوقيت أولوية على القانون الانتخابي، للاستفادة من الزخم الشعبي في صناديق الاقتراع، والحصول على أكثرية تمكنها من الوصول الى السلطة.
أما انتخابات 2009 فاخيضت على اساس قانون مختلف، قانون 60، ولم تأت نتائجها بتغيير كبير، بل ثبتت موازين القوى الموجودة.
كان من المفترض ان يكون العام 2013، عاماً انتخابياً، وبما ان الظرف السياسي وقتها، لم يكن في صالح احد، تم تأجيلها بحجة الاوضاع الامنية المرتبطة بالحرب السورية.
التسوية السياسية في 2016 انتجت قانوناً جديداً، أتى بمجلس نيابي يشبه اللحظة السياسية القائمة انذاك ويخدمها. تبدّلت الظروف الاقليمية، ووقع لبنان في عزلة دولية، وتفاقمت الظروف المحلية وانفجرت على شكل ثورة، حصلت الانتخابات بعدها تحت ضغط دولي، على امل حصول تغيير يسمح بخلق ستاتيكو جديد يختلف عن الستاتيكو القائم، الا ان النتائج اتت مخيبة، فالمجلس المنتخب لم يختلف كثيراً في الاداء عن الذي سبقه، ويمكن القول انها كانت لزوم ما لا يلزم بالمعنى السياسي.
يعيش البلد اليوم، حالة برج بابل سياسية في موضوع الانتخابات النيابية، صراع بين رأيين وكل منهما مدعوم بحجج ظاهرة وما خُفي اعظم. رأي يقول بضرورة حصول الانتخابات في وقتها الدستوري، من مبدأ المحافظة على دستورية الاستحقاقات ومواعيدها، ومبدأ تداول السلطة بغض النظر عن شرعية القانون الانتخابي ومسألة اقتراع الاغتراب، وعما هو متوقع من تغيير في شكل المجلس، حيث أن اغلبية شركات الاحصاء تحصر التغيير بحدود العشرين مقعد والباقي القديم على قدمه. أما اصحاب الرأي الثاني، فيدعم تأجيل حصولها، بحجة أن انتاج مجلس شبيه بالمجلس الحالي، سيعطّل عملية الاصلاح وحصر السلاح، وسيعطي جرعة دعم شعبية وقانونية لحزب الله، بانعدام امكانية الخرق والتغيير الجذري، فلا داعي للانتخابات ولننتظر ظروف افضل، هذا الرأي معطوف على رغبة خارجية مؤيدة، يراهن على نتيجة المفاوضات الاميركية-الايرانية وتداعياتها على الداخل اللبناني، او الحرب في حال عدم نجاحها، ويعتبر أيضا ان الحكومة الحالية برئيسها، هي الفرصة الافضل، لاستكمال عملية حصر السلاح والاضطلاع بالاصلاحات الاقتصادية والنقدية المطلوبة لعودة التعافي واطلاق خطة النهوض الشاملة.
فهل سيكون التجاذب بين هذين الخيارين، بوابة لفتح النقاش عن طبيعة النظام والدعوة الى تغييره؟
كلام رئيس الحكومة وبعض النواب والشخصيات السياسية بداية، وما ادرانا كيف ستكون النهاية.

