في هندسة اللحظة: التفاوض كأفق سيادي مفتوح. في لحظات التحول الجيوسياسي، لا تُقاس الخيارات الوطنية بعلو الشعارات، بل بقدرة الدولة على تحويل التحديات إلى أدوات سيادية، تُمارس من داخل النصوص لا من خارجها. وفي هذا السياق، يطلّ موضوع التفاوض المباشر بين الجمهورية اللبنانية ودولة إسرائيل كمسألة قانونية بامتياز، لا تُختزل في ثنائية “القبول أو الرفض”، بل تُقرأ ضمن هندسة دقيقة لمفاهيم السيادة، الشرعية، والالتزام، كما أرستها قواعد القانون الدولي العام، وكرّستها تجارب التاريخ الحديث

04/12/2025
IMG-20251204-WA0084

في هندسة اللحظة: التفاوض كأفق سيادي مفتوح.

في لحظات التحول الجيوسياسي، لا تُقاس الخيارات الوطنية بعلو الشعارات، بل بقدرة الدولة على تحويل التحديات إلى أدوات سيادية، تُمارس من داخل النصوص لا من خارجها. وفي هذا السياق، يطلّ موضوع التفاوض المباشر بين الجمهورية اللبنانية ودولة إسرائيل كمسألة قانونية بامتياز، لا تُختزل في ثنائية “القبول أو الرفض”، بل تُقرأ ضمن هندسة دقيقة لمفاهيم السيادة، الشرعية، والالتزام، كما أرستها قواعد القانون الدولي العام، وكرّستها تجارب التاريخ الحديث.

فمنذ معاهدة وستفاليا عام 1648، التي أرست مبدأ سيادة الدولة، مرورًا بميثاق الأمم المتحدة عام 1945، الذي نصّ في مادته الأولى على “تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية”، وصولًا إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969)، التي عرّفت التفاوض كمرحلة تأسيسية لأي التزام دولي، ظلّ التفاوض أداة سيادية بامتياز، لا تُمارس إلا من موقع القوة القانونية، لا من موقع التبعية أو الإذعان. بل إن محطات مفصلية في التاريخ الحديث من مفاوضات الهدنة الكورية عام 1953، إلى محادثات كامب ديفيد، إلى اتفاقية دايتون التي أنهت حرب البوسنة تُظهر أن التفاوض لا يُفقد الدول هويتها، بل يُعيد تثبيت معالمها وفق شروطها.

في الحالة اللبنانية، فإن السيادة ليست شعارًا نظريًا، بل واقعًا مؤسسًا على نصوص دستورية واضحة، أبرزها مقدمة الدستور التي تنص على أن “لبنان وطن حرّ، سيّد، مستقل، وطن نهائي لجميع أبنائه”، وعلى أن “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”. كما أن لبنان، منذ انضمامه إلى الأمم المتحدة عام 1945، التزم بمبادئ القانون الدولي، وشارك في صياغة العديد من نصوصه، وكان من أوائل الدول التي طالبت بتطبيق القرار 242 (1967) و338 (1973)، والقرار 425 (1978) الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وهو ما تحقق جزئيًا عام 2000، مع بقاء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا خارج السيادة اللبنانية الكاملة.

إن التفاوض، في هذا الإطار، لا يُعد اعترافًا سياسيًا، ولا يُرتب تطبيعًا تلقائيًا، كما تؤكد السوابق الدولية. فالصين والولايات المتحدة تفاوضتا لعقود قبل إقامة علاقات دبلوماسية، وكوريا الشمالية والجنوبية تتفاوضان ضمن آليات متعددة دون اعتراف متبادل. بل إن اتفاقيات تُبرم أحيانًا بين أطراف لا تعترف ببعضها، وتُسجّل في الأمم المتحدة كاتفاقات تقنية أو مؤقتة، كما حصل في اتفاق أوسلو (1993) الذي سُجّل في الأمم المتحدة رغم غياب اعتراف متبادل كامل بين الطرفين آنذاك.

أما من زاوية القانون الدولي، فإن التفاوض لا يُنتقص من السيادة، بل يُمارسها. فالدولة التي تدخل التفاوض من موقع الندية، وضمن مرجعية قانونية واضحة، تُثبت حضورها لا تُضعفه. بل إن رفض التفاوض دون مبرر قانوني قد يُعد خرقًا لمبدأ حسن النية في العلاقات الدولية، كما نصّت عليه المادة 26 من اتفاقية فيينا، التي تُلزم الدول بـ”احترام الاتفاقات بحسن نية”، وتُحمّلها مسؤولية تعطيل مسارات الحل السلمي.

من هنا، فإن أي مقاربة تفاوضية لبنانية، إن وُجدت، لا بد أن تُبنى على خمسة أعمدة قانونية: تحديد نطاق التفاوض بدقة (ترسيم حدود، لا أكثر)، اعتماد مرجعية دولية واضحة (UNCLOS، قرارات مجلس الأمن)، تشكيل وفد تقني – قانوني مستقل، إشراك طرف ثالث ضامن (الأمم المتحدة أو دولة محايدة)، وأخيرًا إخضاع أي مخرجات للمؤسسات الدستورية (مجلس النواب، وربما الاستفتاء الشعبي). هذه ليست شروطًا سياسية، بل ضمانات قانونية لصون السيادة، وتحييد التفاوض عن التوظيف السياسي أو الإعلامي.

في المحصلة، لا يُقاس التفاوض بمدى قربه أو بعده عن العاطفة الوطنية، بل بمدى اقترابه من النصوص التي تحمي هذه العاطفة من الانزلاق إلى ردود الفعل. وبينما تبقى المواقف السياسية عرضة للتبدل، فإن البناء القانوني الرصين هو ما يضمن أن تبقى الخيارات مفتوحة، والحقوق مصانة، والسيادة محترمة. فالتفاوض، حين يُدار بعقل قانوني بارد، لا يُفقد الدولة هيبتها، بل يُعيد تعريفها كفاعل عاقل، لا كمتلقٍ للقدر. وفي هذه المساحة الرمادية، حيث تختلط المبادئ بالمصالح، يبرز دور الدولة لا كصدى للانفعال، بل كصوت للعقل، وحارس للنص، ومهندس للممكن.

المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في 4/12/2025


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME