كتب المحامي كميل حبيب معلوف الحق المقيّد: أزمة المتقاضين في ظل شلل العدليات اللبنانية.

الحق المقيّد: أزمة المتقاضين في ظل شلل العدليات اللبنانية.
إن حق التقاضي في لبنان هو حق دستوري أصيل نصّت عليه المادة ٢٠ من الدستور، التي تؤكد أن القضاء هو المرجع الطبيعي لحماية الحقوق والحريات. غير أن تعطيل العدليات بفعل الإضرابات أو الشلل الإداري يشكّل عملياً انتهاكاً لهذا الحق ويضع المتقاضين أمام فراغ قضائي خطير. قانون أصول المحاكمات المدنية (المادة ٤ وما يليها) وقانون أصول المحاكمات الجزائية (المادة ١٠ وما يليها) يكرّسان مبدأ المهل القانونية، لكن هذه المهل تصبح حبراً على ورق عند توقف المحاكم، مما يؤدي إلى ضياع الحقوق وتعطيل مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة ٧ من الدستور.
على الصعيد الدولي، يشكّل هذا الواقع مخالفة للمادة ١٤ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تضمن حق كل فرد في محاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة. وقد سبق لمجلس شورى الدولة أن شدّد في قراراته على أن تعطيل المرفق العام القضائي يُعدّ إخلالاً بمبدأ استمرارية المرفق العام، وهو مبدأ مستمد من الفقه الإداري الفرنسي وتبنّاه القضاء اللبناني في أكثر من مناسبة، حيث اعتبر أن أي توقف غير مبرر عن العمل القضائي يعرّض الدولة للمساءلة ويهدد النظام العام .
كما أن محكمة التمييز اللبنانية في اجتهادات مدنية متكررة أكدت أن “الحق في مراجعة القضاء هو من النظام العام ولا يجوز تقييده إلا بنص صريح”، ما يعني أن أي تعطيل غير منصوص عليه في القانون يُعتبر مخالفاً لمبدأ دستوري أساسي.
في ظل هذا الواقع، لا يجد المتقاضون سوى اللجوء إلى وسائل بديلة كالتحكيم والوساطة المنصوص عليهما في المواد ٧٦٢ وما يليها من قانون أصول المحاكمات المدنية، أو إلى نقاباتهم وهيئاتهم المهنية لممارسة الضغط، غير أن هذه الحلول تبقى استثنائية ولا تعوّض عن دور القضاء كسلطة دستورية. إن استمرار تعطيل العدليات يهدد مبدأ سيادة القانون ويحوّل الحق إلى امتياز، ما يستوجب تحركاً عاجلاً من السلطتين التشريعية والتنفيذية لإعادة تفعيل القضاء وضمان أن يبقى الملاذ الأخير لكل مظلوم، لأن العدالة المتوقفة ليست سوى ظلم مقنّع.
المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦

