كتب المحامي كميل حبيب معلوف في وطنٍ تتهاوى أركانه تحت وطأة الانهيار، لم تعد العدالة مجرد مبدأ دستوري أو شعار يُرفع في الخطب، بل أصبحت صرخة مكتومة خلف جدران قصور العدل والمخافر، ومراكز السجل التجاري، ودوائر المالية، والنفوس، والنافعة، وسائر الإدارات التي يُفترض أن تكون واجهة الدولة، فإذا بها تتحوّل إلى مرايا مكسورة تعكس وجع المواطن، وتُجسّد انهيار المؤسسات

العدالة اللبنانية في غرفة الإنعاش: من قصور العدل إلى المخافر… ومن الإدارات إلى الإدانات الصامتة.
في وطنٍ تتهاوى أركانه تحت وطأة الانهيار، لم تعد العدالة مجرد مبدأ دستوري أو شعار يُرفع في الخطب، بل أصبحت صرخة مكتومة خلف جدران قصور العدل والمخافر، ومراكز السجل التجاري، ودوائر المالية، والنفوس، والنافعة، وسائر الإدارات التي يُفترض أن تكون واجهة الدولة، فإذا بها تتحوّل إلى مرايا مكسورة تعكس وجع المواطن، وتُجسّد انهيار المؤسسات.
من بيروت إلى طرابلس، من صيدا إلى زحلة، من النبطية إلى بعلبك، تتشابه المشاهد وتختلف التفاصيل: قاعات متهالكة، أرشيفات مكدّسة، كهرباء مقطوعة، حمّامات غير صالحة، أجهزة بلا صيانة، ومكاتب بلا ورق. قضاة يكتبون أحكامهم على ضوء هواتفهم، وكتبة يعملون في ظروف لا تليق بكرامة الإنسان، ومحامون ينتظرون ساعات في ممرّات ضيّقة لا تليق بمقام العدالة، ومواطنون يتنقّلون بين الطوابق كمن يبحث عن عدالة ضائعة في متاهة بيروقراطية.
أما المخافر، فحالها لا يقلّ بؤسًا. عناصر أمنية تعمل بلا تجهيزات، بلا مركبات صالحة، بلا أدوات تحقيق، وأحيانًا بلا أوراق أو حبر. مكاتب ضيّقة، أرشيفات يدوية، ملفات ضائعة، وموقوفون يُحتجزون في ظروف لا تليق بالبشر. كيف نُطالب هذه المؤسسات بتطبيق القانون، وهي نفسها ضحية غياب القانون؟
وإذا تجاوزنا أسوار العدلية والمخافر، وجدنا أن المشهد لا يختلف كثيرًا في الإدارات العامة. في مراكز السجل التجاري، تتراكم المعاملات في أدراج بلا نظام، ويُطلب من المواطن أن يُحضر مستندات لا تُطلب في أي دولة حديثة. في دوائر المالية، يُعامل المواطن كمتّهم حتى يثبت العكس، ويُضطر إلى دفع ما لا يُفهم، في ظل غياب الشفافية والرقمنة. في دوائر النفوس، تُختصر الهوية الوطنية بطابعٍ ناقص أو توقيعٍ غائب، وتُقاس كرامة المواطن بعدد ساعات الانتظار. أما في مراكز النافعة، فالمشهد مأساوي: طوابير لا تنتهي، أنظمة معطّلة، وموظفون يعملون في ظروف لا تليق بهم ولا بالمواطنين.
القاضي، الذي يُفترض أن يكون سيّد العدالة، بات يعمل في بيئة تُهين هيبته. لا حماية، لا دعم، لا استقلال فعلي. الكاتب، ذاك الجندي المجهول، يُطالب بحقوقه منذ سنوات، ولا من يُجيب. أما المحامي، فبات يُعامل كمتطفّل، لا كركن أساسي في منظومة العدالة. ثلاثية العدالة تُصارع، لكن من دون سند. وفي نهاية هذه السلسلة المنهكة، يقف المواطن. ذاك الذي يطرق باب العدالة بحثًا عن حقٍ مسلوب، أو إنصافٍ مؤجّل، فيُفاجأ بأن العدالة نفسها تحتاج إلى من يُنصفها. يرى الظلم ولا يستطيع أن يصرخ، يخاف من “الواسطة”، ويعلم أن العدالة قد تأتي، لكنها تأتي متأخرة، أو لا تأتي أبدًا.
نحن لا نكتب لنُدين، بل لنُحذّر. لا نُهاجم أحدًا، بل نُناشد الجميع. فالمسؤولية لا تقع على وزير العدل وحده، بل على كل من يتبوأ موقعًا في الدولة: من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة، من وزير المالية إلى مجلس القضاء الأعلى، من النواب إلى الإدارات المعنية. العدالة ليست قطاعًا ثانويًا. إنها العمود الفقري للدولة. وإن سقطت العدالة، سقط معها كل شيء: الاقتصاد، الأمن، الثقة، والانتماء. نُطالب لا بترفٍ، بل بحق. نُطالب بقصور عدل تليق باسمها. نُطالب بقضاء مستقل، مُصان، مُجهّز. نُطالب بكرامة للمحامي، واحترام للكاتب، وأمان للقاضي، وعدالة للمواطن. نُطالب بمخافر تُحترم فيها كرامة الإنسان، وتُجهّز لتكون حامية لا شاهدة على الانهيار. نُطالب بإدارات عامة تُدار بعقل الدولة، لا بعشوائية المزرعة، وبخدمة المواطن لا إذلاله.
أيها السادة، العدالة لا تموت فجأة. إنها تختنق ببطء، في كل قاعة مهترئة، في كل مكتب بلا كهرباء، في كل ملف يُنسى، في كل موقوف يُهان، في كل قاضٍ يُهدّد، في كل محامٍ يُهان، في كل موظف يُذلّ، في كل مواطن يُخذل. فهل من مُجيب؟ هل من مسؤول يُدرك أن إنقاذ العدالة هو إنقاذ للوطن؟ أم سنبقى نُشيّع العدالة يومًا بعد يوم، حتى نُصبح نحن جميعًا في قفص الاتهام… أمام ضمائرنا؟
المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في ٢٠٢٥/١٢/٧

