كتب المحامي كميل حبيب معلوف لجنة الرقابة على المصارف: الغائب الحاضر في انهيار الثقة المصرفية اللبنانية

لجنة الرقابة على المصارف: الغائب الحاضر في انهيار الثقة المصرفية اللبنانية.
في خضم الانهيار المالي والمصرفي الذي اجتاح لبنان منذ عام 2019، يثور سؤال جوهري لا بد من طرحه بلسان القانون: أين كانت لجنة الرقابة على المصارف، الهيئة المنوط بها قانوناً السهر على سلامة القطاع المصرفي، حين كانت أموال المودعين تُستنزف وتُحتجز دون وجه حق؟ وهل يمكن إعفاء هذه اللجنة من المسؤولية القانونية عمّا آلت إليه أوضاع المودعين؟ ولماذا لم يتحرك القضاء اللبناني لمساءلتها أو محاسبتها، رغم وضوح التقصير في أداء واجباتها الرقابية؟
إن قانون النقد والتسليف اللبناني، ولا سيما في المواد 13 و70 و174 منه، يُنيط بلجنة الرقابة على المصارف صلاحيات رقابية واسعة، تشمل مراقبة حسن تطبيق القوانين والأنظمة من قبل المصارف، وضمان ملاءتها المالية، والتدخل عند ظهور مؤشرات خلل أو خطر على أموال المودعين. فهل قامت اللجنة بواجباتها وفقاً لما يفرضه عليها القانون؟ أم أنها اكتفت بدور المتفرّج، تاركة المصارف تتصرف بودائع الناس دون حسيب أو رقيب، في ظل ما يشبه التواطؤ أو على الأقل الإهمال الجسيم؟
إن مسؤولية اللجنة لا تقتصر على الرقابة الشكلية، بل تمتد إلى الرقابة الفعلية والوقائية، أي التدخل الاستباقي عند ظهور مؤشرات الخطر. فهل يُعقل أن تغيب عن اللجنة مؤشرات التسييل العشوائي، وتحويل الأموال إلى الخارج، والتلاعب بسعر الصرف، وتضخيم الميزانيات، وكلها وقائع مثبتة بتقارير دولية ومحلية؟ وإذا كانت اللجنة قد رفعت تقاريرها إلى مصرف لبنان أو إلى الجهات القضائية، فأين هي هذه التقارير؟ ولماذا لم تُتخذ الإجراءات اللازمة في حينه؟ وإن لم تفعل، أفلا يُعد ذلك تقصيراً يُرتب مسؤولية قانونية؟
أما القضاء، فمسؤوليته لا تقل جسامة. فبموجب المادة 16 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، يحق للنيابة العامة تحريك الدعوى العامة عند توافر معطيات عن ارتكاب جرائم تمس النظام العام، ومنها الجرائم المالية. فأين كان القضاء حين كانت حقوق المودعين تُنتهك؟ ولماذا لم يُبادر إلى فتح تحقيقات جدية تطال ليس فقط المصارف، بل أيضاً الجهات الرقابية التي قصّرت في أداء واجبها؟
إن ما جرى لا يمكن اختزاله في أزمة سيولة أو انهيار اقتصادي فحسب، بل هو انهيار في منظومة الرقابة والمساءلة. وإن كان من واجبنا كقانونيين أن نُسلّط الضوء على مكامن الخلل، فإن من واجب الدولة، ممثلة بقضائها ومؤسساتها الرقابية، أن تُفعّل أدوات المحاسبة، لا أن تُحصّن المقصّرين خلف جدران الصمت واللامساءلة.
إن لجنة الرقابة على المصارف، بصمتها أو تقصيرها، كانت شريكاً غير مباشر في ما حلّ بالمودعين. وإن أي إصلاح حقيقي للقطاع المصرفي لا يمكن أن يتم دون مساءلة هذه اللجنة، وإعادة النظر في آليات تعيينها، وضمان استقلاليتها وفعاليتها، وإلا فإن التاريخ سيُعيد نفسه، ولكن بثمنٍ أفدح.
المحامي كميل حبيب معلوف
في ١٥ كانون الثاني ٢٠٢٥

