كتب المحامي كميل حبيب معلوف دراسة قانونية تحليلية: نهب العصر ، جريمة المصارف اللبنانية بين القانون المحلي والدولي.

03/01/2026
1765433942406

دراسة قانونية تحليلية: نهب العصر ، جريمة المصارف اللبنانية بين القانون المحلي والدولي.

المقدمة:
منذ أواخر عام 2019، يشهد لبنان أزمة مالية غير مسبوقة، تمثّلت في حجز المصارف اللبنانية على أموال المودعين، وفرض قيود تعسفية على السحب والتحويل دون أي سند قانوني أو تشريعي. هذه الأزمة لم تكن مجرد انهيار اقتصادي، بل كشفت عن بنية قانونية هشة، وتواطؤ مؤسساتي ممنهج، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول الطبيعة القانونية لما جرى: هل نحن أمام أزمة سيولة أم جريمة موصوفة؟ ومن هو المسؤول؟ وكيف يمكن ملاحقته قانونياً محلياً ودولياً؟

أولاً: الإطار القانوني اللبناني – بين إساءة الأمانة والاختلاس:
-إساءة الأمانة (المادة 670 من قانون العقوبات اللبناني): تنص على أن من اختلس أو بدّد مالاً منقولاً أُعطي له على سبيل الأمانة يُعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاث سنوات. تنطبق هذه المادة على المصارف التي امتنعت عن ردّ الودائع أو تصرّفت بها دون تفويض صريح من أصحابها.
-الاختلاس (المادة 359):يطال الموظفين العموميين الذين يختلسون أموالاً عامة. ورغم أن المصارف مؤسسات خاصة، إلا أن بعض مسؤوليها قد يُعتبرون في حكم الموظف العام إذا ثبت تواطؤهم مع مصرف لبنان أو الدولة.
-التمييز بين المودعين: ما قامت به بعض المصارف من تحويل أموال كبار المودعين إلى الخارج، وحرمان صغار المودعين من حقوقهم، قد يُصنّف كـ”تمييز تعسفي” و”إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون” المنصوص عليه في المادة 7 من الدستور اللبناني.

ثانياً: غياب قانون الكابيتال كونترول – فراغ تشريعي أم تواطؤ مقصود؟
رغم مرور أكثر من خمس سنوات على الأزمة، لم يُقرّ البرلمان اللبناني قانوناً واضحاً لتنظيم القيود على التحويلات والسحوبات، ما جعل الإجراءات المصرفية تفتقر إلى أي غطاء قانوني. هذا الغياب يُعدّ بحد ذاته مخالفة دستورية، إذ لا يجوز تقييد الحقوق المالية دون نص قانوني صريح صادر عن السلطة التشريعية.

ثالثاً: المسؤولية القانونية لمصرف لبنان والمصارف:
-مصرف لبنان:بصفته الجهة الرقابية على القطاع المصرفي، يُشتبه بتورّطه في تسهيل تحويلات مالية مشبوهة خلال ذروة الأزمة، ما قد يرقى إلى جرم “الإهمال الجسيم” أو حتى “التواطؤ” في جرائم مالية.
-المصارف: تتحمّل مسؤولية مباشرة عن حجز أموال المودعين، وقد تُلاحق بتهم إساءة الأمانة، الاحتيال، التزوير، وغسل الأموال، خاصة في الحالات التي ثبت فيها تحويل أموال إلى الخارج بطرق غير قانونية.

رابعاً: الإطار القانوني الدولي – حماية الملكية ومكافحة الفساد:
-الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 17):يضمن حق كل فرد في التملك، ويحظر حرمانه من ملكه تعسفاً.
-اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC):تُلزم الدول بملاحقة الجرائم المالية، بما فيها إساءة استعمال السلطة، والاختلاس، وغسل الأموال.
-الاختصاص القضائي العالمي:يتيح للمودعين المتضررين رفع دعاوى أمام محاكم أجنبية في الدول التي تحتفظ المصارف اللبنانية أو مسؤولوها بأصول فيها، استناداً إلى مبدأ “الولاية القضائية المستندة إلى الأصول” أو “الضرر العابر للحدود”.

خامساً: سبل الملاحقة والمحاسبة:
١- القضاء اللبناني: رغم بطئه، يبقى المسار القضائي المحلي مفتوحاً، خاصة عبر النيابة العامة المالية، التي بدأت تحقيقات في بعض الملفات.
٢-القضاء الأجنبي: يمكن للمودعين اللجوء إلى المحاكم في أوروبا أو الولايات المتحدة، حيث توجد أصول للمصارف أو حسابات للمسؤولين، خصوصاً في حالات التمييز أو التحويلات غير المشروعة.
٣- الضغط الشعبي والدولي: يبقى عاملاً أساسياً في تحريك الملفات القضائية، وفرض الشفافية، واسترداد الحقوق.

الخاتمة:
ما جرى في لبنان ليس أزمة سيولة، بل جريمة موصوفة بأركانها القانونية والواقعية. إنها جريمة “نهب منظم” لأموال خاصة، ارتُكبت تحت غطاء مؤسساتي، وبصمت تشريعي، وتواطؤ سياسي. المجرم ليس فرداً، بل منظومة. والمحاسبة لا بد أن تكون شاملة، تبدأ من الداخل ولا تنتهي عنده، بل تمتد إلى الخارج حيث لا حصانة للمال المنهوب. العدالة هنا ليست خياراً، بل شرط وجودي لبقاء الدولة.

المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في ٢٠٢٦/١/٣


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME