كتب المحامي كميل حبيب معلوف قانون الفجوة المالية في لبنان: تفكيك قانوني مالي لخسائر المودعين في ضوء المبادئ المحاسبية الدولية والقانون العام اللبناني والعالمي

قانون الفجوة المالية في لبنان: تفكيك قانوني مالي لخسائر المودعين في ضوء المبادئ المحاسبية الدولية والقانون العام اللبناني والعالمي.
أضع بين أيديكم قراءة تحليلية قانونية لمشروع قانون الفجوة المالية في لبنان، لا بوصفه نصاً تشريعياً فحسب، بل كأداة لإعادة توزيع الخسائر خارج إطار العدالة القانونية والاقتصادية، في مخالفة صريحة للمبادئ الدستورية اللبنانية، وللقواعد العامة في القانون الدولي، وللمعايير المحاسبية والائتمانية المعتمدة عالمياً.
ينطلق هذا التحليل من قاعدة قانونية راسخة: “لا يجوز تحميل الأفراد تبعات إخفاقات السلطة أو المؤسسات المالية دون مسوغ قانوني عادل ومتكافئ”، وهي قاعدة مستمدة من المادة 15 من الدستور اللبناني التي تحمي الملكية الخاصة، ومن المبادئ العامة في القانون الدولي لحقوق الإنسان التي تضمن عدم المساس غير المشروع بالممتلكات الخاصة.
أولاً: من الناحية المالية
عند تطبيق أدوات التقييم المالي مثل NPV وIRR وEVA، يتبين أن القانون المقترح يؤدي إلى خسارة تتجاوز 70% من القيمة الحقيقية للودائع، عند احتساب التضخم التراكمي، وتدهور سعر الصرف، والعوائد الضائعة (Return Forgone). هذه الخسارة لا تُحتسب كتعويض أو كدين على الدولة أو المصارف، بل تُفرض كأمر واقع على المودع، في مخالفة لمبدأ “عدم الإثراء بلا سبب” المنصوص عليه في المادة 123 من قانون الموجبات والعقود اللبناني.
ثانياً: من زاوية المخاطر الائتمانية
تحويل جزء من الودائع إلى سندات طويلة الأجل مدعومة بأصول مصرف لبنان، دون تصنيف ائتماني مستقل أو ضمانات سيادية واضحة، يُعدّ تحميلًا للمودع مخاطر ائتمانية عالية دون رضى مسبق أو تعويض عادل، ما يتعارض مع مبدأ “الرضائية في العقود” و”الشفافية في المعاملات المالية” المنصوص عليهما في قانون التجارة اللبناني وقواعد بازل III.
ثالثاً: من منظور القانون الدولي والمحاسبي
يتعارض القانون مع مبادئ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تشترط توزيع الخسائر وفق تسلسل قانوني عادل (Loss Absorption Waterfall)، يبدأ بالمساهمين ثم حملة السندات، قبل الوصول إلى المودعين. كما أن تجاهل القيمة الزمنية للنقود (Time Value of Money) في التعويضات، وعدم اعتماد معيار القيمة العادلة (IFRS 13)، يُعدّ مخالفة صريحة للمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية (IFRS) التي يعتمدها لبنان رسمياً.
رابعاً: من زاوية العدالة الدستورية
يعيد القانون تعريف الوديعة من التزام تعاقدي إلى “أداة مشاركة في الخسارة”، دون تعديل دستوري أو تشريعي يغيّر طبيعة العلاقة التعاقدية بين المصرف والمودع. هذا التحوير القانوني يُعدّ انتهاكاً لمبدأ “عدم رجعية القوانين” و”حماية العقود” المنصوص عليهما في المادة 20 من الدستور، ويُشكل سابقة خطيرة في تقويض الثقة بالعقد المصرفي.
خامساً: من زاوية القانون المقارن
في حالات مماثلة (مثل آيسلندا وقبرص)، تم تحميل المساهمين والإدارات المصرفية المسؤولية أولاً، مع حماية صغار المودعين، وفقاً لمبدأ “العدالة التوزيعية” (Equitable Burden Sharing) المعتمد في القانون الأوروبي. أما في لبنان، فإن القانون المقترح يعكس انقلاباً على هذا المبدأ، ويُكرّس حماية المصارف على حساب أصحاب الحقوق.
الاستنتاج القانوني المالي
القانون المقترح لا يفي بشروط العدالة التعاقدية، ولا ينسجم مع المبادئ الدستورية، ولا يراعي المعايير الدولية في إعادة هيكلة القطاع المصرفي. بل يُعدّ، من منظور قانوني محض، تفويضاً تشريعياً بإعادة تعريف الملكية الخاصة، وتحويلها إلى أداة امتصاص خسائر، دون سند قانوني أو تعويض عادل. إن تمرير هذا القانون بصيغته الحالية يُعرّض الدولة اللبنانية لمساءلة دولية، ويُضعف موقعها التفاوضي أمام المؤسسات المالية العالمية، ويُهدد بانهيار ما تبقى من الثقة في النظام القانوني والمصرفي.
المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في 22/12/2025

