المحامي كميل حبيب معلوف التحقيق الجنائي في لبنان: الإطار القانوني لاسترداد الودائع وحماية النظام المالي العام

16/12/2025
1765433942406

التحقيق الجنائي في لبنان: الإطار القانوني لاسترداد الودائع وحماية النظام المالي العام

يشهد لبنان منذ عام 2019 أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة، أدّت إلى انهيار العملة الوطنية، وتجميد أموال المودعين في المصارف، وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة والخاصة على حدّ سواء. في خضم هذا الانهيار، برز التحقيق الجنائي كأداة قانونية مركزية، لا بل كخيار وحيد، لاسترداد الأموال العامة والخاصة، وتحديد المسؤوليات، وإعادة بناء الثقة بالنظام المالي. تهدف هذه الورقة إلى تحليل الإطار القانوني للتحقيق الجنائي في لبنان، وتبيان علاقته الوثيقة باسترداد الودائع، استنادًا إلى التشريعات اللبنانية والاتفاقيات الدولية، مع التركيز على دوره كشرط لازم لإعادة هيكلة القطاع المالي وحماية النظام العام الاقتصادي.

– الإطار القانوني للتحقيق الجنائي في القانون اللبناني

1. الأساس الدستوري والقانوني
ينص الدستور اللبناني في مقدمته (الفقرة هـ) على أن “النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها”، ويكرّس مبدأ سيادة القانون والمساءلة.
أما قانون أصول المحاكمات الجزائية (لا سيما المواد 10 إلى 24)، فيمنح النيابة العامة صلاحية تحريك الدعوى العامة بحق كل من يشتبه بارتكابه جرائم جزائية، بما في ذلك الجرائم المالية.
كما أن قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (القانون رقم 175/2020) يكرّس مبدأ التحقيق المالي والإداري، ويمنح الهيئة صلاحيات رقابية وتحقيقية واسعة.

2. رفع السرية المصرفية
شكّلت السرية المصرفية، المنصوص عليها في المادة 151 من قانون النقد والتسليف، عائقًا أمام التحقيق الجنائي، إلى أن أقرّ مجلس النواب القانون رقم 200/2020 الذي يرفع هذه السرية في حالات التحقيق الجنائي، ما أزال العائق القانوني أمام الوصول إلى الحسابات المصرفية في إطار التحقيقات.

3. قانون استعادة الأموال المتأتية عن جرائم الفساد (رقم 214/2021)
ينص هذا القانون على آليات واضحة لاسترداد الأموال المنهوبة، ويشترط وجود تحقيق قضائي أو إداري يثبت مصدر الأموال غير المشروع، ما يجعل التحقيق الجنائي شرطًا قانونيًا لا يمكن تجاوزه.

– الالتزامات الدولية للبنان في مجال التحقيق واسترداد الأموال

1. اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)
صادق لبنان على هذه الاتفاقية عام 2009، وهي تُعد المرجع الدولي الأساسي في مجال مكافحة الفساد واسترداد الأموال.
– تنص المادة 51 على أن “استرداد الموجودات هو مبدأ أساسي في هذه الاتفاقية”، وتُلزم الدول الأطراف باتخاذ تدابير فعالة لتحديد العائدات الإجرامية واستردادها.
– المادة 14 تدعو إلى تعزيز الشفافية في المعاملات المالية، وتقييد السرية المصرفية في حالات التحقيق.
– المادة 43 تشجّع على التعاون القضائي الدولي، الذي لا يمكن تفعيله دون وجود تحقيق داخلي موثق.

2. السوابق الدولية
تُظهر تجارب دول مثل نيجيريا وأوكرانيا وتونس أن التحقيق الجنائي كان المدخل الأساسي لاسترداد الأموال المنهوبة، سواء عبر التعاون القضائي أو عبر اتفاقات التسوية الدولية، ما يعزز حجة اعتماده كأداة إلزامية لا اختيارية.

– التحقيق الجنائي كشرط لاسترداد الودائع وحماية النظام المالي

1. كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات
لا يمكن استرداد الودائع دون معرفة من اتخذ القرارات التي أدت إلى تبديدها، سواء في مصرف لبنان، أو في المصارف التجارية، أو في السياسات المالية العامة. التحقيق الجنائي هو الأداة الوحيدة القادرة على تفكيك هذه المنظومة وتحديد المسؤوليات بدقة.

2. التمهيد للملاحقة الدولية واسترداد الأموال
لا يمكن للبنان أن يطلب تعاونًا قضائيًا دوليًا أو استرداد أموال محوّلة إلى الخارج دون تحقيق جنائي موثق، يبيّن مصدر الأموال وآلية تهريبها، وفقًا لما تشترطه الاتفاقيات الدولية.

3. إعادة هيكلة القطاع المصرفي على أسس قانونية
إن أي خطة تعافٍ اقتصادي أو توزيع للخسائر ستكون مجحفة وغير دستورية ما لم تُبْنَ على نتائج تحقيق جنائي يكشف من استفاد ومن تضرر، ويؤسس لتوزيع عادل للخسائر وفق مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون.

أخيرا” إن التحقيق الجنائي في لبنان ليس ترفًا قانونيًا، بل ضرورة دستورية وأخلاقية، وشرط لا غنى عنه لاسترداد الودائع وحماية النظام المالي العام. تعطيله لا يُعدّ فقط مخالفة قانونية، بل هو استمرار لثقافة الإفلات من العقاب، وتهديد مباشر لما تبقّى من شرعية الدولة. إن المحامين والقضاة وصنّاع القرار مدعوون اليوم إلى تبنّي هذا المسار، لا كخيار تقني، بل كواجب وطني، قانوني، وأخلاقي، يعيد الاعتبار لسيادة القانون، ويضع حجر الأساس لدولة العدالة والمحاسبة.

المحامي كميل حبيب معلوف
بيروت في 16/12/2025


Latest posts



About us

Leverage agile frameworks to provide a robust synopsis for high level overviews. Iterative approaches to corporate strategy foster collaborative thinking to further the overall value proposition. Organically grow the holistic world view of disruptive innovation via workplace diversity and empowerment.


CONTACT US

CALL US ANYTIME